الشيخ محمد رشيد رضا

440

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا تقصد منه فائدة صحيحة كاعمال الأطفال ، وغرتهم الحياة الدنيا فكان كل همهم التمتع بشهواتها ولذاتها ، - حراما كانت أو حلالا - لأنها مطلوبة عندهم لذاتها . واما أهل الجنة فهم الذين سعوا لها سعيها باعمال الايمان التي تزكي الأنفس وترقيها فلم يغتروا بالحياة الدنيا . بل كانت الدنيا عندهم مزرعة الآخرة لا مقصودة لذاتها . لذلك كانوا يقصدون بالتمتع بنعم اللّه فيها الاستعانة بها على ما يرضيه من إقامة الحق وعمل الخير والاستعداد للحياة الأبدية ومن أراد التفصيل في هذا الموضوع فليرجع إلى تفسير ( 6 : 29 وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ - إلى قوله - 32 وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) « 1 » وفيه بحث طويل في اللعب واللهو ونكتة تقديم اللعب على اللهو فيها وفي بعض الآيات وتقديم اللهو على اللعب في آية الأعراف التي نحن بصدد تفسيرها . وليراجع أيضا تفسير قوله تعالى ( 6 : 7 وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) « 2 » وفيه خمسة أوجه في تفسير اتخاذ الدين لعبا ولهوا . ( فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا ) هذا من قول اللّه عز وجل مرتب على ما قبله ترتب المسبب على السبب ، والمراد باليوم يوم الجزاء وهو محدود بالعمل الذي هو الجزاء وان لم يعرف له مقدار ، والمراد نعاملهم معاملة المنسي الذي لا يفتقده أحدكما جعلوا هذا اليوم منسيا أو كالمنسي بعدم الاستعداد والتزود له ، والظاهر أن الكاف هنا للتعليل كقوله ( وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ) أي لهدايته لكم - لا للتشبيه - على أنه يصح في هذه الجملة على حد المثل : الجزاء من جنس العمل ، ولكن لا يصح فيما عطف عليه من قوله ( وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) بل يتعين فيه التعليل ، فنسيان اللّه لهم المراد به حرمانهم من نعيم الجنة - معلول بنسيانهم لقاء يوم الجزاء . إذ المراد به ترك العمل له وبجحودهم بآيات اللّه الذي هو عبارة عن الكفر بدينه ورفض ما جاءت به رسله ظلما وعلوا ، فينطبق على سائر الآيات الناطقة بأن الجزاء في الدارين على الاعتقاد والعمل جميعا

--> ( 1 ) ص 357 - 370 ج 7 ( 2 ) ص 518 ج 7 أيضا